Monday, 14 February 2011

Abeer Esber

السينمائيون ودمشق
"بحثاً عن المكان الغائب"

كان سينمائياً، جاداً، التقينا ودعاني لحضور فيلم أعجبه
في لقاء أول، تقاربت رؤيتنا بسرعة.. بسهولة تناولنا مواضيع تهمّه و تهمّني.. سينما، أدب، فوتوغراف، إضاءة، رقص، نساء ومدن! دعاني للعرض ووافقت
- أريد رأيك.. -بحماس طلب رأيي!
-حسناً..
في ليلة ممتدة، وطعام طيب المذاق تناولناه في بيت عتيق، تحول مطعما.. تحدثنا طويلاً، بكثافة وعمق تناولنا كل المواضيع. هي ليلة جميلة، تسكعنا في طرقات باب توما، في طرقات دمشق العتيقة، والأحياء الممتلئة نوستالجيا وحنين غادر لعمارة هائلة، جميلة، ومهيمنة..
حضرت الفيلم..!
مرة أخرى دمشق.. سينمائي سوري آخر، ودمشق.. دمشق الحارات، والأزقة، والبحرة، والياسمين، والنارنج، والمسدسات، والمخمسات، والعرائش والقطط الناعسة! استفزيت، تناقشنا مجدداً، وقال بهدوء وحجة لا يمكن دحضدها
هو فيلم يؤسس لذاكرة المكان، قال مدافعاً! وأنا قلت (الفيلم مثقل، مشلول بذاكرة المكان)
ذاكرة المكان
تعبير قدسي ممنوع من الانتهاك، محافظ عليه حتى التعفن! تملكك المفردة، تضلّك اللغة، تضطر أن تخشغ أمام سحر البيان، وهيمنة، وقدسية تلك اللفظة، وحتى لا تبدو عديم الحساسية، منعدم الفنيّات، جاف العاطفة! تحترم رغبة صديقك السينمائي.. وتتركه لوحده، لتأملاته، وتهويماته.. فهو
" يحب السينما التي تؤسس لذاكرة المكان"!!
هو فيلم ذاكرة فعلا! السيناريو الذي كتبه يقول كل الحكاية، يحكي حديث ذاكرة، حكاية مكان آخر، كرس نفسه حامٍ له، ولقيمه الجمالية.. كرّس نفسه حامٍ لدمشق، المدينة العريقة ذات البيوت التي ستنقرض من شجع التجار الذين سيحولون بيوتها إلى مطاعم.. روح بكائّة ، عاطفية، نواحة! هو السينمائي الذي لم يسكن سوى عشوائيات تلك المدينة، وبأفضل الأحوال ضواحيها، يدافع عن عمارتها النابذة، وذاكرة بيوتها الحجرية، وبحراتها، وياسمينها وال أوه لالااه..
فقد احتلته بهيمنتها، وضلال سحرها، وقوة مفاهيم شكلها الصوري، المورّث..
لكني بلحظة إخلاص، ولا تعصب سألتُ نفسي سؤالا آخر: لمَ أجزع من رغبة صديقنا صاحب المشروع السينمائي، بالمحافظة على المكان الدمشقي العتيق، والانتماء للمكان الدمشقي الساحر الجمال؟ لمَ يحيرني، ويثير حنقي، وفضولي أن نرغب بالانتماء للجمال والحفاظ عليه، والمطالبة بتحنيطه، وحجزه في حالة تسمى الذاكرة؟
ثم استدعيت من "ذاكرتي " القصة التالية، التي ألهمتني بعضاً من إجابة..
كانت كاتبة هذه السطور مرة في باريس، أعرق عواصم الأرض وأكثرها كمالاً.. أذكر وصولي إلى أزقتها وحاراتها، وباراتها، ولياليها الغير منتهية، كانت عاصمة سياح، تكب عن أرصفتها آلاف البشر من كل الجنسيات، دون أن تبالِ، أو يتغير في إيقاعها شيء، لكن الدعية التي هي أنا، خبرت مرافقيها من الفرنسيين: "أنني أغار على عراقة هذه المدينة من السياح المستعجلين الذين لا يفهمون نكهة المدينة وأصالتها، وروعة معمارها، وبهاء زهورها، ونظافة أزقتها و.. إلخ
أصبحت ملاحظتي نكتة،"أنا الغيورة، صاحبة الحس الجمالي" كان تعليقي المغالي نكتة مضحكة تلقى في وجهي من الفرنسيين أنفسهم، عند كل اضطهاد تمارسه المدينة وسكّانها ضدي، أنا الطالبة، الفقيرة، الغريبة، العربية، الفائضة عن المكان، الدعية، الغيورة، الحساسة! وتتوالى الصفات النابذة من المركز، حتى الضواحي، من الشارع حتى الميترو، من المطعم حتى الرصيف.. وفهمت كل شيء، تعلمت الدرس الأقسى..
باريس التي لم تظهر بشكلها السياحي إلا في أفلام الأمريكيين، وظهرت في أفلام الفرنسيين كما هي، بفقرها، وبشاعة بيوتها، وبردها ، ورطوبة أبنيتها،علمتني سينماها، كما علّمتني الحياة دروسي الأقسى!
كلما اضطهدتك الأمكنة، نبذتكَ، اقتربتَ منها، وحاولت أن تحصّل منها القبول، فتكرسها، تكرسها بأخطائها، وتقدم أوراق اعتمادك لديها، بأنك الحامي، المحب، الموافق، المبارك! تخاف النفي، فتكرس بذل المنبوذ، أخطاء الأمكنة، لأنك الغريب، الغريب الذي لا يمون على مكانه، ولا ينتمي حقيقة للمكان، فينصّب نفسه حامٍ للمكان..
وبالمقابل فالمواطن الطبيعي، المنتمي بغير تبجح ولا ادعاء، يتصرف، كما تصرف الرئيس الفرنسي ميتيران! بروح انتماء حقيقية، أقر ميتران، وأصر ميتران ، أن تسير باريس بعمارتها، خطوات هائلة تجاه الحداثة والألفية الثالثة، فكانت منطقة "الديفانس" الزجاجية، الباردة "الريبوتية" ،المقابل الأكثر عنجهية، واختلافا،ً و تطرفاً لباريس الشانزيلزيه وقوس نصرها الحجري الحنون..
هكذا يتصرف أصحاب المكان في أمكنتهم عندما يمونون، ويحبون، وينتمون.. إنهم يتجرأون على الأمكنة، يفتتونها، يدرسونها، يقدمونها للحياة بروح جديدة، ويعبرون بها الأزمنة إلى المستقبل!
لكن هذا ما لم يحصل في دمشق، وفي أفلام سينمائي دمشق، كل هذا لم يحصل مع سكّانها، سينمائيها، وروائيها، وتشكيليها، مدعي الحب من قرويين مهاجرين إليها، وساكنيها من المدن الأخرى.. نبذتهم المدينة طويلا، فطالبوا بتكريسها! رمتهم إلى ضواحيها، فتغنوا بأزقتها المعتمة، ومداخل بيوتها المركزية الضيقة، المغمة! دمشق المعتاشة على كمال معمارها العتيق حتى النهاية.. ظل فنانوها وسكانها يمتصون سكر الأمكنة العتيقة، وبيصقون علقم العشوائيات، ويتغنون.. بلوحاتهم، وسينماهم، ورواياتهم وموسيقاهم بأماكن لم تفتح لهم ، إلا عندما أصبحت بيوتها مطاعم، وعمارتها، مقاه..!
ظلت دمشق تقبع كأيقونة وصورة مثالية لمكان تسكنه النوستالجا، ويقبع في الذاكرة..
مكان لم يناقشه أحد، لم يقترح له بديلا جماليا، أو حتى بديلا مكملاًً، فقد خافوا منها، وخافوا انتقادها، وفكفكتها، مناقشتها، وخوض حديث قلب وعقل، ووجدان.. خافوا منها، تنحوا حتى لا يوصموا بتهمة التخريب، لأنهم ظلوا غرباء عنها، فأبقتهم غرباء عنها.. في أفلام صرفت عليها ميزانية العام السينمائي الحالي، المحتفي بدمشق، غابت دمشق مرة أخرى، وظهرت الردة، الردة في الرؤية، والعتق المتحفي، المتخفي تحت عمارة سياحية، لم يعد يحتفي بها أحد سوى غرباء المدينة وسياحها، اختفت دمشق الحقيقة والواقع من مخيلة سينمائي سوريا، كما تعودت أن تختفي في أفلام معظمهم، ضاعت مرة أخرى فرص الطزاجة، وحداثة الفكر، والنوعية العالية المنتمية للحياة، ببحث عن أجوبة في خمسينيات القرن الماضي!
أين حقيقة المكان في السينما السورية، أين دمشق في السينما السورية؟ وكيف حكيت دمشق؟ هل ما ظهر في أفلام مدينتنا العتيدة هو الحقيقة؟
في احتفالية دمشق عاصمة للثقافة، احتفى الجميع بالذاكرة، واختفت الحقيقة، اختفى الحاضر.. أحيل بدوره للذاكرة!
فلم يتجرأ أحد منا، نحن سكان تلك المدينة العريقة، على مناقشة المكان، تفكيك المكان، هجاءه، كراهيته، تحليله، أو حتى نقده، نقد عمارته،أو حتى تقديم البديل؟
فلماذا تم التعامل مع مدينة دمشق سينمائياً بتلك الروح المأّلهة، الرافضة للمسائلة؟ لماذا لم تتم مناقشة العمارة، والحياة الدمشقية بمنجزها الحالي، المنقسم ما بين البيت السياحي المندثر، الذي أصبح إما مطاعم، أو لوكشينات مرتجلة لمسلسلات الطهور، وحفلات الطلاق ، والزواج؟ أو القسم الآخر المغبر بفوضاه، وإسمنته، وبشاعة عمارته، وانعدام خدماته..
هل خاف سينمائيونا من نبذ آخر، وتهم أخرى، فكرسوا، ما لا يجب أن يكّرس؟ وارتدوا إلى خمسينيات القرن الماضي بحثاً عن أجوبة.. بحثاً عن دمشق؟



عبير اسبر

Abeer Esber

عن دمشق.. أو ما بقي منها
خالتي أم سمعان طلبت حضوري..
في الطريق المتعِب من دمشق إلى حمص، والطريق المفرح من حمص إلى الساحل.. لم يغب عن بالي الكتاب الشهير لغاستون باشلار "جماليات المكان" طوال الطريق المؤدي إلى بيتها.. بيت خالتي أم سمعان، راجعت بدقة شروط المسكن المقدس.. حيث امتلك البيت الذي تسكنه "أم الأمهات" كل المفردات المؤسسة للبيت الأول.. امتلك المركز وثبته بالشجرة المباركة، السدرة أجمل الأشجار وأكثرها إثارة لخيالات الروح، الحجر الأزرق الصلد الذي احتجز بصمته المكان، وهيمن على صوت رنين جرس الكبش الأول، يقود قطيعه عائدا من البرية، امتلك منزلها درجاً صاعداً نحو وجه الآلهة الأكثر حنواً، يعلو باطراد حجرا على حجر صعوداً صعودا.. والباحة الدائرية المكشوفة كانت "الفضاء" المكثِف للطاقة الكونية، ظلت منذ استدارتها الكاملة تبعث رسائلها إلى الله الرحيم..
وصلت "باب جنة".. وصلت بيت خالتي أم سمعان.. رصت صفوف الكراسي الملتفة مثل حلزون، اجتمعنا نحن الصبايا حول حدث حمل نكهة عطرة، نكهة الأحمر الكرزي، وطعم حلاوته.. حلاوة الفرح، كنا نحتفل بزواج آخر بنات خالتي أم سمعان.. نورما.. جميلتها التي لم تحبذ ضيق الصفوف الإسمنتية في مدرسة الضيعة، ولم تحد انطلاقتها بكتب المدارس.. فتركت بكل وعي، العلم والجامعات، للفاشلات أمثالنا، القليلات الحظ ، القليلات الجمال.. وانطلقت مثل الغزالة البرية، تقطف العنب، وتشعل الأعراس رقصا وغناء.. إذا كان عرس نورما، صديقتنا، حبيبتنا..
في وسط الباحة، والأوكسجين الباذخ، والغيم القطني غرقنا بالجمال.. ما بين الأهازيج، وصياح الصبايا، وخفة ظلهن، وصوت الضحك الصداح.. زهت بيننا خالتي أم سمعان، اشتعلت عينيها ببريق الفخر، وشفافية الفراق..أعلنت بكبرياء فطرتها، بتجاعيد وجهها الجليلة، ببياض بشرتها الحليبية، وهيبة طلتها، أعلنت أم سمعان خبراً أسعدها حتى هطلت دموعها.. خبرتنا: عريس نورما شامي.. إجا من الشام ليتجوز.. ونورما بنتي رح تعيش معه بالشام.. بالكّباس!!
ثم ختمت الضحكة المحرجة بزغرودة ساندها الكل بزغردتها.. وأنا الوحيدة التي تسكن في الشام غصصتْ !!
نورما في الشام.. نورما في الكبّاس.. هي مجرد حكاية..
حكاية بسيطة،عتيقة.. حكاية الريف والمدن.. حكاية الفلاح وابن المدينة! حكايتنا مع الشام..
لن أعود إلى نورما الآن، فقصتها واضحة.. قصتها قصة النقيض.. الصدمة، والتأقلم.. الوفرة، وعسف الموارد.. المساحة والضيق.. الهواء القابل للتنفس، والسخام الملتصق بالروح.. الحجر والاسمنت المغبر.. العمارة البسيطة المقدسة.. والعمارة الشيطانية لجدران من بلوك وأسقف من ألواح التوتياء، نشأت مثل فطور لا تقهر، تكاثرت اعتباطاً على أرض مهدورة، بلا إنسانية.. بلا خدمات..

حسناً حسناً.. أرى النظرة المستسخفة في عيون قرائي.. أرى السخرية، والهزء من سذاجة الطرح، وبراءة التحليل المقتربة من الغباء.. أرى هزة الرأس المتسامحة في أحسن الأحوال، والفهم العميق لوعي الواعيين.. هي الضريبة أيتها الحاذقة! الضريبة التي علينا أن ندفعها كي نسكن مدننا، ونعيش المدنية! أرى واسمع كل شتيمة يطلقها كل متهم لي بتأليه الريف المغلق، والنزعة الخبيثة لتريف الأماكن، وتخريب المدن المفتوحة، أرى الرعب في نظرة كل من يقرأ عن الجمال المضلل، خائفا على وجه حضارته، من طرح ساذج يعلن ويدافع عن الريف، عبر تكريس تقاليد التريف على أهل المدن، وعراقة المدن، وحداثة المدن، وبهاء المدن.. وعشوائيات المدن.. مدننا.. لكن للحديث بقية، والحقائق ليست دوما سهلة بسهولة الحكي السهل..
في إحصائية اترك تقديرها لوعيكم.. أعلن الخبراء أنه بحلول العام 2020 سيعيش نصف سكان القاهرة مثلاً ضمن الأحياء المخالفة.. ضمن العشوائيات!!
بكل الأحوال نعود لمدننا المقدسة.. نعود للشام، للقاهرة، للجزائر، للرباط، لمراكش، لعمان لكل مدننا المسورة بأحزمنة من فوضى، نعود لعشوائياتها ونسأل سؤالا آخر..
لم تخيفنا الأبنية المرتجلة، لمَ ننتفض من بشاعتها، واعتباطيتها.. وتداخلها المتاهاتي، الشيطاني، واندغام وظائف زواريبها ما بين فسحات للتنفس والشرب، والغسيل والاستحمام والتبول..!! ما الذي تستطيع تلك الأشكال الموحدة، البلهاء، المتقشفة للأبنية تعريفه، تكريسه، تقريره، صنعه..؟؟ هل تشبه البيوت أصحابها.. لمَ يزعجنا الفقر.. وهل هو عيب..!! هل هو مخيف.. هل هو مهدد للسلم؟؟ للأخلاق؟؟ يفتقر للحدود الدنيا للإنسانية وشروطها..
على كل سنحكي حكاية.. حكاية تخصني..
كنت من زائرات حي الكبّاس الأشد إخلاصا!! في كشكول تحديدا.. منطقة عشوائية بامتياز على الرغم من تموضعها في قلب مدينة دمشق ، تقترب من حي عريق هو باب توما مثلا، من العباسيين، من جرمانا.. نعود للكباس.. لكشكول.. إذ لطالما هدرت غير نادمة، ساعات طوال أمضيتها ضاحكة، من حكايا لا تحصل إلا هناك.. بوجوه من السنغال، والدير، والساحل، وحمص.. كنا نمر وأصدقائي بخليط ألوان ولهجات، وروائح، ودكاكين يطل أصحابها من شبابيك الغرف نفسها.. دكاكين هائلة العدد، تبيع الكحول الرخيص، والدخان الوطني والمهرب، والفاكهة الأكثر رواجاً، تبيع الجبس، وفي أحسن الأحوال البطيخ الأصفر!! نمر شلة كبيرة بالناس، نسلم على الجميع.. حيث يجلس الجميع على المصطبة المرتفعة سنتمترات عن أرض الشارع الموحل، من المياه التي رشت أمام البيوت، وتركت برك وحل، يجلس الكل عليها وحولها، أباء وأبناء وأجداد.. صياح يملأ الفضاء، يقتسمون المساحة أمام الدور، يهربون من الحر ، من شوي الاسمنت لجلدوهم طوال النهار.. طوال سطوع الشمس، ينتظرون المغيب ويشربون المتة..
في منزل صديق، يمارس الأحلام مخلوطة بالصحافة.. أمضيت بصحبته أوقاتاً ممتدة.. استمتعت بكل ثانية مع الأصحاب المنفيين من منازلهم، من أبائهم، وقراهم، وأهلهم.. كنا نسهر طويلا على السطح المشترك الذي تقطنه خمس عائلات، بخمس غرف متراصة، وشباك لكل منها.. حمامهم مشترك، مطبخهم مشترك، مشاكلهم، صياحهم، وثوانيهم الأكثر حميمية.. بالطبع مشترك.. صديقي المدلل كان يسكن غرفته وحيدا، إلا عندما قررت الوالدة الرؤوم، زيارته فجأة لمراجعة طبيب، ويحكي صاحبنا حانقاً، باكيا، ضاحكا، كيف شاركه كل أهل الحارة معارفه الهامة.. الغير مطلوبة،الغير مطالب بها، تشاركوا بألوان ملابس أمه الداخلية التي لم يحلم حتى والده بمعرفتها، خاصة عندما طار سروالها وحط على السطح الملاصق لمنزله، فوق دش الجيران.. ويحكي الصديق عن عرض أمه المهان، ولون سروالها الداخلي الأبيض العريض المورد بالأحمر القاني!!
ويصيح شبه باكٍ: لك فضحتينا يا إمي.. طيب على القليلة سكري الشباك وقت بتلبسي، ما بيكفي طار الكلسون.. وتبكي الأم التي اعتادت على المساحة، و بيوت بلا أبواب.. وعيون تغض الطرف..
"شو بعرفني يا إمي والله ما انتبهت!! الله يقطعلك هالبيت ما أوحشه !!"
على السطح المشترك، الفضاء الوحيد المتاح، كنا نجلس متلاصقين، يدخن أصدقائي النرجيلة، وأشرب ما أشاء، بالقرب من الحبق الذي زرعته والدة صديقي في طشت غسيل قبل أن تغادر!!
كان الضحك ينبثق من كل معاناة يعيشها صديقنا، ونشمت بها نحن!!
بفلوكلورية تعاملنا مع معاناته، وبالواو.. من المكان الإكزوتيك، المتحرر، والجارات اللعوب، اللواتي لا يتوانين عن فعل ما لا يفعل عادة!! نحتفل ببساطة الأخلاق، بانفلات الأخلاق، وانتقامنا من تربية الأهل، والبرجوازيات العفنة، والقيم، والمعايير، والبريستيجات، والصح والخطأ، والذي يجوز ولا يجوز!!
نضحك من شلة زعران طالما تربصوا لصاحبنا بالشبريات، هزوؤا من كتبه، وشنطة اللاب توب التي يحملها فارغة!! وكيف ضربوه مرة أمام صديقة اصطحبها وحيدة إلى غرفته عندما كان لديه موعد "تن تنى.. تن تنى "!!
يحكي صديقنا بحنق عن معاناته مع أخلاقيات المكان التي لم يعتدها.. يحكي عن جيرانه الذين زرعوا سطحه دشات، وخزانات ماء، ومازوت.. يعبئونها، يصلحونها مطلين على غرفته وحياته وتفاصيله، يسيرون بملابسهم، أو بدونها، وأجسادهم المعروضة أينما شاؤوا، في أي ساعة شاؤوا..
نحن نضحك، وصديقنا يحمر مثل فجلة بهية.. نتابع الضحك، وننظر تجاهه، خاصة عندما أطل جار له من الشباك، نازعا البلورة المرمية في وجه الريح على عجل، في ليلة باردة كانونية، مصححاً معلومة في النقاش المحتدم بين شلتنا، عن تقصير الحكومة في حل مشكلة الكهرباء المقطوعة، وأزمة المازوت الماضية.. وقف الجار أمام الشباك، مزيحا الستارة، محاطا بإطار الشباك المخزوق الشبك، بثقل ظل لا يغتفر، ظل يفتي مطلا برأسه الأشعث مثل القرد، من الشبك المعدني، الذي لم يتسع لصلعته عندما سحبها متراجعا عندما أنهى فتواه الكارثية شاتماً الظروف الدولية والحصار الأميركي..
نحن نقهقه وصديقنا العتيد يغلي من انتهاك الخصوصية.. وينظر تجاهنا كي نفهم، ولا نفهم، ونتابع..
حسنا لا زلنا في الضحك.. خاصة عندما ستصل نورما إلى الكبّاس، قد تزورها خالتي أم سمعان، أو لا تفعل.. قد تضيّع سروالها، أو لا تضيعه.. قد تضحك، أو لا تضحك.. لكننا نبقى في السؤال الأول.. ما الذي يخيفنا من كل ما قلنا وحكينا، وشرحنا.. ما الذي يخيفنا من الفوضى، وسوء الخدمات، والانفلات، والفقر؟؟
حسنا لا إجابة لدي.. سؤالي أضعه بين يديكم..
أنا ضحكت.. ولأننا ضحكنا، لا يبقى لي سوى السؤال.. خاصة أننا نسينا في حمأة القهقهة أن نتكلم عن ثقافة مكان تبيح بلامبالاتها لواط الأطفال، وتُمارس فيها كل أنواع الرذائل، وتسهّل فيها كل أشكال الدعارة، ويُنتج فيها العنف والجريمة مضاعفين، والتطرف الفكري والديني والاجتماعي أضعافا مضاعفة، نسينا التحدث عن الضيق، والأماكن الخانقة المكتظة، نسينا الحديث عن شراسة أنواع من الكلاب، مزقت بعضها عندما جُمعت في مساحة ضيقة، وازدادت شراسة مع ازدياد عددها، وضيق فضاءها المتاح..
ضحكنا ونسينا أن للعيش البشري شروطاً أخرى.. نسينا حديث الريف والمدينة فقد ضاعا الاثنان.. فُقدا الاثنان .. فُقد الجمال.. ضاعت الصفة، عجنت الأشكال والهندسة والعمارة بالقذارة والمجارير المفتوحة والكهرباء المقطوعة، وندرة مياه الشرب.. ضاعت المدن، وصفات المدن في خلطة بشعة مكونها الرئيسي والوحيد هو الفقر.. ونسأل مرة أخرى وأخيرة هل هو عيب.. هل الفقر عيب!!؟؟
للإجابة ندعو المهتمين للسكن ولو مؤقتاً على أطراف مدينتا الجميلة المسورة بالعشوائيات.. ندعوكم للسكن في حي الستة والثمانين العتيد.. وللحديث تتمة..
عبير اسبر

Thursday, 10 February 2011

شام معلف

تبحث عن الشام بعد كل هذا الطواف اليوم إذن دعنا نلحق تلك الحشود الملونة في أزقة دمشق القديمة ليس مطعم الوجبات السريعة الذي يعرفه الجميع أمهر من صنع صندويش ( الإسكالوب) في المنطقة العتيقة ـ ذاك الذي طرز واجهة المحل نقوش بيزنطية حديثة بالدهان الأصفر الفاقع دون حتى أن يدري أنها زخارف من تلك الحقبة بالذات؟! لا يهم طالما أنه يحرك السياحة في البلد ،بل أقصد الشام داخل السور العمارة.. القيمرية.. ، القنوات،.. باب توما باب رسول السيد المسيح الذي جاب هذه الأزقة مع القديسين والعلماء والرحالة والفاتحين على مر التاريخ .. الباب بقي مفتوحاً على مصراعيه ، بينما أقف في منتصف الطريق أفكر باستعادة هؤلاء بصرياً على الأقل في خيالي ،معرضةً نفسي لخطر الدعس والفعس تحت أقدام المتسربلين من كل مكان أجانب وعرب متأجنبين، مباشرةً إلى البارات ذات الطراز الشرقي وأماكن البوب في البيوت القديمة ومحلات الشاورما محلات( الدفيديات) المقرصنة البطاطا المشوية على الطريقة التركية وبيت (الغوفر) البلجيكي وسط الشارع المستقيم ... لا أستطيع أن أحدد إلى أي درجة يجوع بها بعضهم حتى يمرون من أمام سبيل الماء هذا دون أن يقرأ أحداً أنه بني على روح( سيف الدين جقمق)..

تبحث عن شامك بعد كل هذا التعب ولا يتسنى لك الكسل في التكية السليمانية لأنه منذور لراحة السياح ، ولهذا تم وضع هذا السور الحديدي القبيح بينك وبين مشهد القباب المتناغمة مع شكل الأقواس فوق أعمدة الأروقة السور الحديدي الذي وضعته وزارة السياحة بينك أنت ابن البلد وبين البحرة الواسعة في قلب صحن التكية فقط من أجل راحة السياح .. فأنت من أهل البلد .. لكن مهلاً أنت الأن في باب شرقي فعن أي بلد نتحدث ؟! !
شام محل مطعم يعرفه معظمنا يعزف ألحان الجاز بينما تجلس على كرسي مصنوع في إيطاليا وتفكر بتناول وجبة (كوردون بلو ) ، ليست شام محل محي الدين ابن عربي الذي جاب الأزقة باحثاً عن النور ، الكبريت الأحمر الذي لم يزل له في كل حي وزاوية مجلس علم وتصوف مع سائر فقهاء دمشق.. الأمر يبدو كما لو كانت ثمة قطيعة تاريخية رهيبة بين الشامين ..

من جهة أخرى ألا يتوجب على صاحب المكان الأثري في الشام احترام تلك الخصوصية الروحية دون أن يغرس أمام الزائر أرجيلة بمعسل التفاحتين وكأس شاي ليبتون كي يستمتع بنفث طعم الأستشراق على الجدران الأصيلة لأنه يدفع الفاتورة باليورو أو بالدولار؟!.. لكن مقترحاً مغايراً بأن تبقى هذه البيوت على حالها للتأمل والإستكشاف أو القراءة سيبدو مشنقة إقتصادية بالنسبة لأصحابها مع عدم اكتراث واضح من قبل الجهات المسؤولة ليس بعد أن فكر وزير الثقافة باستغلال ساحة المتحف الوطني لإقامة الأعراس والموالد وحفلات الطهور المحلية ..!
في المقابل ثمة تشريعات خاصة تمنع العبث وابتذال التاريخ كما يحدث في دمشق اليوم و تم اعتمادها من قبل المجلس العالمي للمعالم والمواقع الأثرية خاصةً اذا ماكانت ذات أهمية مرتبطة بشكل مباشر أو ملموس بالأحداث أو التقاليد أو الأفكار أوحتى الأعمال الفنية ، وعلى هذا أتمنى أن لاتزور لجنة كهذه البيوت التي صارت مطاعم خمس نجوم ويشاهدوا بأم العين كيف يسكب الزيت الساخن في المجاري الصحية التي ربما بدورها تعود إلى العهد الروماني ؟! وكيف يخدمهم( بيت جبري) بشكل لائق وعصري للغاية ..
في المقابل هل يفكر العربي الذي يتجول بمتحف اللوفر بنصب أركيلته العربية أمام وجه فرانسيس الأول للفنان الشهير (تيتان) كنوع من الغربة المضادة ليست كتلك التي علمونا إياها في كتب القومية المدرسية بل غربة ما تشبه رحيل الدمشقي الأخير من طلعة القشلة ...
أخيراً يبحث أحدهم الذي يرغب بتحويل بيت خالته المتوفاة منذ زمن بعيد في باب توما إلى محل فلافل وحمص عن اسم لافت للمطعم وبعد نظرة بانورامية إلى هذا الخليط العولمي الهجين وعربات السوزوكي المحملة بالباذنجان والكاتشاب مع من أصابتهم لوثة الشرق الجديد .. وأقترح عليه بأن يسميه ( السرفيس) بينما أتكئ على حائط متهالك من العصر البرونزي ..أفكر بأغنية شرقية جداً .... غريب الدار علي جار ...

منطاد هائم أمام قمر في البرية

الرأس الذي هو منطاد ولنقل أنه أصفر أو منطاد أزرق أو بألوان العلم الفنلندي ، لن يسرع كما تعتقدون أنه سيفعل يوماً ما وتنصرفون براحة ضمير إلى أعمالكم .. ولك يا عزيزي أن تسأل كما أسأل نفسي في هذه اللحظة ماذا تفعل الأعمال الكاملة لل(الشابي) إلى جانب وسادتي منذ سنة ربما أكثر ؟! في الحقيقة لا شيئ .. المهم أن رأس كالذي أملكه هائم على وجهه فيتعثر ويقع في فخ الأوزون .. ، كلكم تعرفون ذلك وأنا أيضاً بالتأكيد .. امشي إلى الفخ بكل سعادة بتأثير الضباب الدخاني الذي يبقى معلقا في الاجواء لأيام عدة.. رغم الكيمياء هذه أنا اتحدى نظريات التلوث الموجودة على سطح العالم منذ قرون

والقرون التي ظن معظمكم أنها محارم ورقية من حفلة جنس قام بها الملائكة فوق رأسي هي ما انطح بها كل شيئ وثلاثةوعشون راكباً في السرفيس من أجل مقعد في السرفيس ولو جفت دمائكم لما تخليت عن هذه الدائرة ليس حباً بالأمكنة ربما العادة فقط أو ان لا يمزق احداً كل هذا السكون التي أظن أنه مقدس ولو ركضتم جميعاً إلى فوق التلة سأبقى ممتدة على المنحدرات احلم بثور سماوي يثقب هذا الأنتفاخ من خاصرته حتى يفاجأكم بالهروب عكس السير

ومع السير أنا معكم .. سومرية في حدا نازل يضربني سائق أزرق بهذه الحصوة في القلب تجرح

وفي القلب لن أتعب نفسي كل هذه اللغة فاسدة كما لو كانت قطرميزات مكدوس من السنة الماضية .. وحتى لو صرخت باسمك في شوارع ريفية لن أساعد قلباً على ايجاده للغة تفسر له انه وقع في الحمى وكما حلاق الملك الحزين احفر في الرياح اسمك فيجعلني اغشى من الضحك كما لو كنت تلك المعلمة الأمريكية في احدى ضواحي نيوجيرسي التي تزوجت أفشل طالب عندها في الصف.. اسمك الذي يضحكني وقعه ارتديت من اجله حروف بيضاء وعلى سبيل الهواية رحت أسأل في قريتك البعيدة صاحب الدكان : هل تعرف أين يقع بيت الكاتب المعروف فلان الفلاني ثم لمحت حائطاً منهدماً فقلت ربما كان هو طفلاً يشبه إلى حد كبير القرود الصومالية يسرق تفاح أخضر من بيوت الأغنياء وتسلق حافة هذا الجدار



الرأس الذي هو منطاد يفكر بالجلوس على الشبكة يومياً لأن ستين خنزيراً سيتعرقون بالقرب منه في الشارع كما نفذ التاتش منذ أشهر ..، ولأني اشبه (رائد) في الحاسوب ، سأغتاظ حين اراه يضرب بأزرار أكثر من )Alt) ,(shift)

ماذا يخطر في بالك ؟ قمراً فقد في البرية .. أو ما يخطر في كس أمك أيها الفضاء السافل ولأنك مجرد ارقام وافتراضات عملية نجحت حتى الآن لا تيأس مني يوماً ما سأخبرك بما يخطر في بالي ، وما ذا كان يريد من أثداء الأخريات على سريري في غيابي ولماذا يسحبني في كل مرة من قروني التي هي طاولة الملائكة المقلوبة أيضاً حتى يخرج دمي ويعاين درجة غليانه فقط ثم يسلخ عني تلك الألوان جميعها ولو ثقبت جميع الإتجاهات لما تأكدت إلى أين سأهرب منك /

ماذا تريد هذه البيوت الأثرية في جزيرة كما اشتهي من مراقبة منطاد ولماذا تجلسون جميعاً , وتقولون أصفر ... أزرق وأسود.. احمر وخريفي أمام منطاد هائم ومنفوخ بذاكرة الوديان

النوم عاشق مغدور

النوم هو الرجل الوحيد الذي يعلم أني سأصمت للأبد إذا ما سمعني إلى النهاية .. رجلي الوحيد يصدق أن السيارات هي التي تخشى مني وليس العكس .. رجلاً لا يصنع من قطرات دمي شبكة وعناكب يغلق الباب وراءه بهدوء ويغزل رمشاً على رمش كما اغنية سعيدة .. أقول للنوم اني لم أكذب على احداً وأني أمد ذراعي دائماً للحب فيأخذ رأسي إلى رقبته .. ، رجلي الوحيد يسمح لي بالعبور من جسده كمسيح مبهم على الله ، النوم هو الرجل الوحيد الذي صدق أني رأيت قرداً بنياً في شجرة التوت .. وإني طيبة لكن لا أحسن التصرف فقط ، لكنه يطلب مني ان افعل كما فعل القرد ...، يعلم النوم أني لا اتنفس جيداً في النهار فيطلق لي رئة حرة للطيران ..، ويصدق أيضاً أني لا أثمل بل اصطنع ذلك وأني رأيت أصابعه تنقض على فخذ صديقتي واني لم افتعل دعابة حين هددت بإلتهام عينيه الجميلتين من قبره ، رجلي الوحيد يشهد أني أكلت عينيه حقاً وهو حي ويلهث ..، النوم رجلاً أعشقه ويستحق ذلك يتمنى أن لا أذهب إلى القبور لوحدي فجراً ، وهو متأكد مثلي أنهم يعيشون لكنه يتلعثم حين أسأله عن الموتى الحقيقيون ...، النوم رجلاً شديد البأس يعرف أن الألم في قلبي له صدى رتيب وممل ..، لذلك لا يمل من أوامر جسدي حتى لو قفز فوقه دون أن ينظف اسنانه وبثياب السهرة الخائبة ، ولأن جسدي وقح للغاية سيبصق في وجه النوم لأنه لم ينظف أسنانه هو ثم سيرفض المعاشرة الزوجية ... النوم رجلي الوحيد ...يعلم أني أحتاج إلى الإرتماء بين ذراعيه كل الوقت ..، ومع ذلك أتركه جثة باردة في السرير وألحقك أنت بين السيارات السريعة ...

عندما كنا الحيوانات

حين كانت هذه الجغرافية نيئة .. ، كانت الخرائط في القارورة لم تسكب بعد ، وكنا وحيدين في هذا الفراغ مجرد يتيمين بأرواح تتوق للتسكع فقط ، البشرية التي خذلتنا سويةً ما يكفي ستين زمناً لمجرات متشظية في سماء غريبة ، كما يحلو لنا أن نتخيل قبل أن تنهي أنت زجاجة النبيذ هي ذاتها لا تتغير بشرية لا تنفع على الإطلاق ، ولا تتقن حتى اجترار آلامها الجمعية ، لذلك أرى أني أستعين بالحيوانات التي لطالما تبادلناها كشتائم غالية على القلب ..

لكن عندما كنا ..، كنت العصفور الملون الذي ينقر تفاصيل علاقاته العاطفية على أنفك دون اكتراث وتغفر له أنت السمكة باللون الواحد لا تحل بالماء أو التراب، وأنا عصفور عابث يسعد بالدود يتقلب بمرارة في بطنك الجميل، قصة الحيوان لماذا لم تفكر بها على هذا النحو ؟.. حسناً فهي حكاية تناسبك أكثر أنت رجل قذف إلى الثلج ليلاً و كذلك إمراءة حبست في الظل ،

حين تشبثت أنا بما تبقى من حشيش يابس كنت أشبه أي شيء أغتيل في الغابة ولم تسعه أكياس الصيادين ، بينما كنت أنت ،التيس الذي انتحر في العتمة ، لكن عدنا ثانيةً بعد أن حصد الجميع حقول المرارة بصمت ورحلوا بالخيبة ذاتها ، خرفان نلتف حول بعضنا بصوف الحنين تنتظر بأسى جزار الوقت فقط ، وهاهو جزار الخرفان الممتلئة بالذاكرة يدق باب حظيرة الحزن هذه ولا يرى أحداً ، كيف حدث أن يفقدنا الحزن هذه المرة ..لا أعلم ..

ثم رأيتك تتمشى في زمن استوائي حار جداً فجئت إليك سعدان مراهق افصفص على شعرك حكايتي مع غوريلا خارجة من كهف قريب ...، فكنت القرد الذي قلب المكان على رأسي وهذا بالضبط ما ضيع علي حكمة الأسد التي تدق بضراوة في قلبك ، فمن كانا في ذاك الزمن مثلنا؟! قرد يخلع الأقنعة كلها عن وجه أسد ، حينها كان علي أن أعلم ، أنك لست من لحم عشيرتي فوق شجرة الضباب ومجرد قر صغير يطمع بجنسية ملك الغاب ، سأتمهل أزمنة صحرواية حتى أعود إليك حمارة ناضجة تجرأ على سؤالك لماذا تحتاج إلى عرش انت تملكه سلفاً?! تحتاج إلى هذه السذاجة مع القهوة الني نحتسيها بهدوء غالباً ، تحتاج أن أقول أنت حبيبي ملك الغابات كلها ، ولا انتبه إلى الدموع التي وقعت على صحن فنجانك ...

، مع مواسم العنب كنا الأرانب التي شربت كثيراً من البيرة في جميع بارات الشام القديمة ، تنظر فلسفياً أقصد في حق ممارسة الجنس بإنتظام وكثرة وعن أسبقية الكثرة على الإنتظام ، ترى العكس ، أخالفك الرأي وهكذا .. فهل انتبهت أحواض العصر المرحة فارغة اليوم و تنتظر عنب هذه اللحظة ؟!...

ثم ها نحن ،نعود إلى بيوتنا البعيدة، مجرد أرانب تنسى أين وضعت ساعات اليد ، كما نسيت أن عليها الإنجاب الآن ..

في المكتب أشعلت أنت الضوء الخافت وبدأت تستمع إلى (شوبان) فعلاً حصان جدير بالسكينة يطرق بابه كلباً ركض دون توقف يحمل قلبه الأحمر القاني فوق سيقان عوجاء ويبكي أمامك بلا دموع ينبح إليك دون نباح لكنه يصمت فجأةً حين يراك تصفع الموسيقار الشهير ثم تفتح النافذة ..،

وهاهي روحي تنتشر من نافذتك قطيع كامل من العنز البري على سفوح الغيم يمضغ من سم الكينا الخطأ ليس إلا ..،

كما حمار لم يتمكن من السقوط لا تفعل شيئاً سوى أن تقف في منتصف الطريق هذه هي عادتك أيضاً، لكنك عدت أخيراً من زمن الطوفان فيلاً يمتلئ بتفاصيل السنجاب الذي ارتدى نظارات شمسية و هو يتحدث عن العمل والمغامرات الصغيرة تحت سقف المقهى الشعبي ، فيلاً خشي احد دبابيس العبث كما تفعل السناجب الخرقاء ، وذهب يبعثر مياه المفقودين وهو في غاية الوحدة..

من أجاب على هاتفك الشخصي ولم يحول لك المكالمة عمداً هي أنا القطة التي ذهبت تتلهى بكرات الأخرين تحت الأقدام الرسمية دون ان تكترث بجدول الشهر ومكالماتك الضرورية..،

لكنك كنت سنجاباً أيضاً في هذه المرة لما فتحت الباب قبل أن يقرع ، تتحدث بحماس عن قبعات طائرة فوق سريرك تنثر الحياة وزرق ذهبي صغير يبحر بك بعيداً ، حينها أصبحت الزرافة وأنا أقلب المجلات على طاولتك ..زرافة تفكر سراً بالبحار التي تلائم أكثر قارب مثلك صنع من الخريف ..،

اليوم أخرج رقبتي وأنا مرتاحة الضمير من مدن المكاتب الرسمية الرسائل القصيرة الرياء الإجتماعي وأوراق التعامل اليومي ، حتى أنتظرك في جغرافية لم تنضج بعد إلى حين زمن الشتاء القادم .. أنتظرك على هيئة أيل غريب عن المناخ يحمل إليك الألعاب التي حطمها أطفال مجانين من كل أنحاء العالم ...

ربما تجيء أنت على هيئة رجل المكعبات اليتيم ....

ليس المكان ثمة ما يصلح للحب

يست الأمكنة التي مررت بها ، هذا اللسان الممتد إليك وأنت تقف في الجهة المعاكسة تماماً ..، إسمنت في إسفلت ، أنت الوحيد الذي يحسبه عيون من أحببت تضحك وتذرف دمعة جراء نكاتك السخيفة ، أنت فقط من يحسبه شريط جوربها الشفاف حين هبطت وسط الزحمة بذاك الفستان القصير ، في أكثر أحياء دمشق تطرفاً .. يال الحماقة ، لا تشغلني في هذه اللحظة حماقة الفتاة التي إتصلت بك كل ليلة حين كنت في (دبي) كما تقول ، أضع الكأس من يدي على طرف الطاولة في البار القديم وأفكر إذا ماكان هذا المكان يصلح للحب ..،

هل كنتم تسهرون في هذا المكان حقاً ؟

نعم على الأغلب ..لماذا؟ بماذا تفكرين ؟..

المكان يصلح للحب بالرغم من اليأس العام هذا ما أفكر به حين تطرح هذا السؤال بشكل مفاجئ عادةً..، لو وضعت ستارة ذهبية هناك ،وسمكة خضراء في إناء على شكل حوت يبتسم ..هذا يتلائم مع الأرض التي فرشتها بالحب أبعد هذه الطاولات جانباً وضع المزيد من الوسائد الوثيرة ...، افتح حقيبة الخيبات الثقيلة وطلع طيف تلك الأنثى ، هكذا تنتقم مرة واحدة من خيبة واحدة في كأس واحد واحتمالات كثيرة للحلم ..، أنت الذي ستقضي ليلتك وحيداً على كرسي واحد في بار فرغ للتو من رواده ..

الإقتراحات التي لم أشاركه بها الصديق الذي يظن أنه فارس الحركة الرومانطيقية في أوروبا القرن التاسع عشر ينافسه وودز ورث في قصائد لا تقوى على الإطاحة بقلبه مهما حصل ..

هي ما تجعلني أفكر بممرات باب توما وأنا أغادر مسرعةً إلى البيت ..، الإقتراحات الفخمة هذه لا تناسبني وتلك الأزقة لا تصلح للحب كما هو شائع عن ماذا يتحدثون ؟ إنها الأزقة التي بكى فيها محي الدين بن عربي ربما وهو يبحث عن ناره الضائعة..

لا تصلح سوى لقول الحقيقة ..

السرير في غرفتي هو الحقيقة أيضاً والشاهد على دوامة الفودكا مع البيرة المكسيكي في رأسي ، أرغب بأن أبعث برسالة إلى احد ما .. سريري هو الحقيقة الخالدة )

ولا أفعل بالطبع ..، لكني أقطر شيئاً فشيئاً كما جدير بكحول صرف أن يفعل بالنهاية إلى داخل حلزونات الذاكرة حافة الرصيف بين الشجيرات أمام باص مليئ براقصات الباليه الصغيرات يتجهن إلى الدرس الأول ما يناسب تلك القبلة ..

كافتيريا رخيصة تجت الأرض ..، غرفة البوفيه بحجم متر ونصف لا أكثر ..، حديقة الطلائع تحت سماء رمادية تحتقن ولا تمطر رحمةً بكيس السندويتشات الساخنة

حديقة كلية طب الأسنان أراها اليوم السرير الأحمر حديقة خضراء ..أم سرير أحمر لا أعلم ؟!

غرفة الملابس في المسرح القومي .. حمام بيت أحد الأصدقاء



في الصباح أستعيد في ذهني بينما أتوجه مباشرةً إلى العمل ، مشهد الشاب الذي أعرفه يقف عكس الشارع يغمض عينيه ولا يتزحزح أبداً ثم تمر شاحنة يخرج منها عمال تصليح الطرق يغرسون بالقرب منه لافتة تقول : عذراً للإزعاج .. تحويلة طرقية ...

حسناً تستهويني هذه اللعبة الذهنية التي أخترعت أقصد التسلل إلى غرف نوم الذاكرة والعبث بأثاث الحنين بعض الشيء ..

غرفة الملابس في المسرح تخبرني أني أجمل من أزياء مسرحية (حكاية جيسون وميديا) ..كلها

الآن أنت من ترتدي تلك الفساتين الجميلة .. أنا أقف عند الباب أدخن سيجارة وهذه المسرحية بالذات ما سأنبشه من أرشيف التلفزيون حين يتسنى لي ذلك

الكافتيريا في البرامكة ..سنرتادها سويةً نجلس على أحدى الطاولات هذه المرة إيدينا فوق وواضحة وتظهر للعيان..

غرفة المكتبة في الجريدة التي أعمل بها تناسب أكثر ظهيرة قلقة أتمدد تحت رفوف الكتب أتأمل الأحذية العسلية جيئةً وذهاباً ....

لا ... لا .. هذا المكان لن يصلح للحب

حمام صديقك الرائع نظيف ومناشف الوجه على ما يرام .. لأني ما زلت أدردش مع أم الفتى

لكن ماذا لوقلبنا قوانين نيوتن بشأن السرعة والحركة كانت ستنسف تلك الغيبوبة بكل تأكيد وبمعادلة رياضية بسيطة كنت ستدخل أولاً إلى الغرفة بحجم عبوة الغاز المنزلي

والآن عالباً ما أقدم فنجان القهوة ذاك إلى نفسي كمكافأة ذاتية في سنوات العقاب الطويلة

الشاب الذي يعاكس الطرق يدير رأسه أخيراً .. إلى اليمين يجد فتاة ترتدي معطفاً أبيضاً وتمنح ظهرها لشجرة ..

ينظر إلى الشمال يرى عجوزاً يغطي عينيه بوشاح مهترئ أمام أربعة عشر بناية ..

بالطبع ليست الأمكنة .. وليست الأزمنة .. ربما هو الأسى