Thursday, 10 February 2011

سقوط حر عكس اتجاه المطر

يوم ممطر أخر ويملئ الوحل هذا العالم . وحل وسط هذه الجزمات العالية بضاعة المطر الرائجة في حوانيت البالة ، الثياب والأحذية التي منحتها لنا سلالات الماء والعشب الطازج ، يصاب ركاب السرافيس بالزكام أيام المطرونسمع جوقة السعال في قبر المواصلات العامة سعال وبلغم متورم كما لو كان نباح جماعي متعدد الأصوات يهطل المطر تثقل خطوات الناس بفعل الرطوبة لكن هذا الثقل بالذات ما يجعلني أؤمن أن معجزة الطبيعة هذه تحصل فقط على زجاج سيارة أبي، الماء سقط على السلالم القصيرة وها آنا أتلقى جافة كخشبة طافية الخبر الحزين .. لقد قتل رجل تحبينه وفقدت جثته في العراء الجاف أيضاً ... نظرة أخرى إلى النافذة أمامي .. المطر لا يهطل هنا أو على عينيه المفتوحتين بشهقة إلى الأعلى



وقعت المعجزة على بيوت الفقراء كما لو كانوا بحاجة إليها ، وعربات المازوت وليس من اقتراحات تلوح بالأفق لمعجزات إضافية عن نيران تخلق بالمجان ..، في بيته كان ينام عارياً على سرير رطب ، أجلس في الزاوية أراقب تفسخ الجدران قطعة على شكل مثلث من الدهان الأزرق تتمزق خفيةً عنه بالقرب من كتفي الأيمن أمد طرف إصبع فتقع على الرقبة مع أنغام المطر المتصاعدة في الخارج

المطر لم نراه ... لكني استعدته كله تحت شمس صيف ما أمطاراً استوائية قسمت الكرة الأرضية حينها إلى المنتصف ... صحرائي أنا ومياه الغائبين...حينئذ دخلت في السبع سنوات عجاف يليها سبع سنوات جفاف.. وهكذا



في منتصف أخر ليلة شتوية حارة أتقلب على رأس الشمال أسعل سعال ديكي ، رأس اليمين يكون بالقرب من الحائط عادةً أسعل كما جراء سوداء ضاعت في العتمة ، في اليوم التالي سيخرج كل القيح رماداً يشتعل ، نظراً لعدد السجائر التي أدخنها كل يوم ما الحل ؟! لن أبحث طويلاً فقط أتأمل الماء في الخارج افتح زجاجة النبيذ عند الساعة الرابعة والنصف ، أخط على البشرة بأظافر لم تشذب البتة ممرات بيضاء الألوان السمراء خلقت جافة بالطبع لكن في الداخل خطر لي كتابة أسماء العشاق كلهم ،و سرعان ما شربتها رمال البشرة المتحركة . اسمي في المعجم القطعة من الجبل ..عند الساعة السادسة والنصف .. ركنت زجاجة نبيذ فارغة إلى الأسفل



قبل المطر بلحظات كان عجوزاً بشفاه متشققة يبلل بصعوبة ورقة تبغ لف يجلس تحت شمس الظهيرة ضمن سهل يبدو مترامي الأطراف .. ثم طفلاً يمشي خلف بضعة خرفان وإمراءة على وشك الولادة حين تفجر رحم السماء وهطل ال.... ماذا يجب أن ندعوه هنا ؟! في جغرافيا حارقة كالتي هنا شيئاً ما يجب أن يقترب من شراسة جو الشمال وقسوة البدو الرحل ... سقط الفجور على الأرض .. صرخ رجل شق ثوبه بوجه الرعيد بالتزامن مع صرخة المرأة التي سمت بنت سوداء ونحيلة للغاية .... مزنة



في إتجاه معاكس لفوضى الخيام المتطايرة وهلع القبيلة ثبت بدوي أعمى بساط وصندوق خشبي عتيق ،عدة أغطية ووسائد ثم ثبت صبي صغير على ظهر ناقته مشت زوجته وطفل أخر خلفه وغنت المرأة على كل الدروب رياح سوداء ..

كما لوكانت تغني الطوارق في المغرب .. هذه إحدى قصائدهم

فوق الخطر دون الوصل نشفت الريق ، وحبل اللقا لو ما رعته ثنيته

البعد شلفي ذياب وسم الصناديق والقرب يرفي الجرح لو ما هنتيه



انام من طول السهر وأرجـع افيـق// واجمع خواطر ليلـي اللـي سريتـه أبيات فيها مـن قصيـد العشاشيـق// وابلغ منه واصدق من اللـي قريتـه انفسروها قلـت مـن غيـر تعليـق// وان بينـت لـي بـن عـم ونخيتـه ملفـاي مقـدام الوجيـه المطاليـق// اللي ليـا مـن دبـر الوقـت جيتـه ماهوب ملفق حولي الهـرج تلفيـق// فـي لازمـي لارحـت يمـه لقيتـه...



السهل غادره الرجل والأنهار استعادت منسوبها القلق لكن التوجس أصبح من صفات الغبار الذي مازال يلهو إلى يومنا هذا ، أما الوادي بالقرب من الخيام اعتادت العشيرة على التبرز فيه ، أعوام تمضي يجف فيها الخراء على مهل ..



احدهم يكبر انفه حين تمطر يقول لي هذه الأيام اللعنة متى ينتهي هذا الإحتباس الحراري ؟! صبية جميلة معي في العمل ترتدي فساتين شفافة تقول .. اشتقت للمطر ...، شاعر توقفت قصيدته عند المنتصف أيضاً يقول بكثير من الأسى المصطنع .. متى تمطر الغيوم العاهرة ..

الأخاديد حول عينيها جدتي أصدق من هذا الهراء ، ولا شيئ في عيون من أحبهم يشبه الماء أو المطر ..



على طرق مقفرة سأمشي وحيدة أشرب بهدوء فودكا مثلجة في عبوات خضراء أو زرقاء ، أحقق شهية الكثيرين حين أنزف سراً هكذا .. أخون سلالات الصحراء التي أنتمي إليها.. وأفكر بصلاة الإستسقاء.. وطقوس المياه



، ذات مرة أنهار سد مأرب وطردت المياه قبائل كثيرة شر طردة إلى أرض السواد لماذا سأكترث إذاً بالمطر ، كذلك اشتد عطش الحسين فحاول أن يصل إلى نهر الفرات الحكاية أنهم مانعوه لكنه خلص إلى شربة من الفرات فرماه رجل يقال عنه حصين بن تميم في حنكه فأثبته فانتزعه الحسين عليه السلام في حنكه .. فار الدم فتلقاه بيديه ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما ثم رمى به إلى السماء وقال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الأرض منهم أحدا ودعا عليهم دعاءا بليغا قال فو الله إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى إلى أن مات

لكن رواية أخرى تقول أنه صار يدق أبواب الكوفة يسأل شربة ماء لاهثاً ينادي عطشان يا أهل الكوفة... فأغلقت النسوة الباكيات على حاله الأبواب في وجه سيدنا الحسين ومات عطشاناً وقد أنشد الحاكم النيسابوري في ذلك حسب ابن كثير الأبيات التالية جاءوا برأسـك يا بن بنت محمد مـتزملا بدمـائه تزميـلا وكأن بك يا بن بنـت محـمد قتلوا جهارا عامدين رسولا

قتلوك عطشانا ولم يتـدبروا في قتلك القـرآن والتنزيلا ويكـبرون بأن قـتلت وإنـما قتلوا بك التكـبير والتهليلا



فكرت بشكل معطفي حين يتبلل . ..هطول الكلمات في قصيدة وهطوله علي حين يجيء في يوم ما عكس اتجاهات المناخ يجيء إلي بكامل كربلاء روحه كما يستحق انتظاري و كما لو كان هو حفيد الحسين المفقود في أرض الجنوب ، سأجلس على مقعد في حديقة عامة حين تمطر نظرت إلى فوق خيل لي حينها أني أنظم مظاهرة ضد السماء .. يحملني أحد الرفاق فأهتف : يسقط المطر ... تبكي الجموع ورائي ... يسقط يسقط ... مهلاًً لا يا جماعة أقصد .. يسقط...

فندق الرجل الميت ..

لعل الماركة ومالها من أثر على الحراك البشري، وعلى الاقتصاد العالمي، يتضح جلياً مع كل اصطدام بواقع الصناعة المتردية. وقد شقت صناعة الماركة طريقها في الغرب وكانت لها اليد الطولى في السوق الأمريكي، والذي يعتبر صانع الماركات والمسيطر الأول بدون منافس له.

لم يكن لهذه النزعة وجود في المجتمعات العربية، ولم تدخل حتى في استراتيجيات التسويق لصناعاتهم و زادت حالة الانبهار بالماركات العالمية، مما جعل أسواقنا غير ذات فائدة في سوق صناعة الماركات. هذا ما يتجاهله أعضاء لجنة تمكين اللغة العربية التي تشن حرباً ضروس ضد المحال التجارية لإجبارها على إما تغيير اسم المحل نهائياً وتحويله للغة العربية أو تعريبه بشكل جزئي، أي وضع اسم المحل مع نظيره بحروف عربية.. لذا يقترح عليك أحد أشد المغالين في اللجنة أن تمشي في الأسواق وأنت تتأمل أسماء المحلات العجيبة، رغم أنك مازلت في البلد ولم تزر بلاد العجائب حتى الآن. هكذا يتحول (stefanel) الشهير إلى (أزياء النشمية)، تشتري بنطال الجينز من الرجل الأنيق الذي لم يخرج من دفتي روايةً ما، بل تمتع بهذه الصفة حسب مفهوم أبو أحمد الشخصي صاحب المحل للأناقة..! تدور ثلاث دورات قبل أن تدوخ وتجلس في مقهى الدوار الذي كان يدعى (elgora).

قبل قرارات اللجنة، ربما ستقصد اضطرارياً مقهى الروضة لأنه أشد أصالة ولا يثقل على هويتك العائمة على واجهات المحلات المقترحة من قبل الرجل حامي حمى لغته العربية.. رغم صراخ آخر يمتلك محل صوتيات (virgin mega store)، في هذه الحالة سيبتاع الزبائن سيديات الميتال والروك آند رول والبوب والجاز الساحر من محل (العذراء)!!

ها أنت تأكل شاطر ومشطور وما بينهما، أي الصندويش، من مطعم بسيط يدعى (عجاج السنين).. لن تجرؤ عزيزي على طلب النسكافيه خاصتك، فقد يراقبك أحد أعضاء اللجنة من خلف الزجاج؛ ستطلب قهوة (النس) بكل شهامة العربي الأصيل ثم تجر عباءتك المثقوبة إلى فندق أمية حيث تثمل مردداً قصائد الأطلال حتى الصباح دون أن يتهمك أحداً بالعولمة..

في الحقيقة هناك محل للألبسة يدعى العابرة ، لا أكاد أمر من أمامه دون أن يقشعر بدني.. العابرة، هل أقول مثلاً إنني ابتعت بلوزة لطيفة من هناك دون أن يسبق كلامي دمعتين..؟

البيتزا (وهي وضع محير للغاية بالنسبة للجنة فما هو مرادف اللفظة؟)؛ البيتزا الساخنة التي أردت بعد أن اتصلت هاتفياً.. مطعم البيتزا الساخنة تفضل؟! ستأكلها حارة أو باردة ماطرة أو معتدلة مثلجة ربما إذا كنت في فندق الفصول الأربعة four seasons)) انتبه إلى ما طلبته بكل الأحوال فقد تتورط بكلب ساخن يجلبه أحدهم إلى بيتك ..!!

في المقابل هناك بلدان كالهند على سبيل المثال لا تعاني من أزمة لغوية كهذه، وهي التي حققت الكثير على مستوى صناعة الماركات، و لم يستطع الغرب الصناعي أن يخترقها ويتحكم بثقافة مستهلكها، وذلك لان رجالات السوق كانوا يتحسسون ما يجري في الأسواق العالمية، وعلى ضوئها يتخذون الخطوات العملية في طريق حماية الماركة التي تقترب من ثقافتهم دون التقليل من شأن لغتهم من جهة أو الإخلال بالمعنى، ليس على مستوى التصنيع والإنتاج الداخلي بل حتى في هندسة ثقافة المستهلك… من جهة أخرى دعنا نتأمل المجزرة التي ارتكبتها لغتنا الرومانسية في السلع، وجولة واحدة تفي بالغرض من حفاظات الطفل السعيد إلى صابونة النحلة ومبيض الأفراح، شراب عمار، ثم أفران غاز كندة القبيلة العربية التي سكنت في وادي حضرموت وربما كانت تحتسي شاي الزين .. زين الشاي قبل أن يتهدم سد مأرب على رؤوس أفرادها..

لا نستطيع إنكار سطوة الماركات فهي رقم خيالي في صناعة التجارة العالمية، تصل إلى حد يساوي ميزانيات عدة دول نامية مجتمعة مع بعض. بدأت بعض الدول العربية تتجه إلى هذا الاتجاه في تحرك متأخر نحو ماركنة البلد والتسويق على الإقليمي والعالمي، وذلك من خلال استغلال الحالة العالمية في الانفتاح على الآخر، وقد تحركت بعض الدول من خلال تسويق مدنها، كخطوة أولى، والاهتمام أكثر بالسياحة في اتجاهاتها المختلفة. وهنا انبثقت الفكرة العظيمة من أحد أعضاء لجنة تمكين اللغة العربية، يزورنا السائح من بلاد الفرنجة ليقضي ليلته الأولى في بلدنا العريق بفندق الرجل الميت* هذا لجهل الأعضاء باللغة التركية أو احتياطاً من احتلال عثماني حديث في المنطقة…

* "ديدمان" سلسلة فنادق تركية لها فرع في دمشق.



http://www.alawan.org/%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AA.html

الجامعي الفاعل سياسياً نكتة لم تعد تضحك أحد

رغبة قوية تنتابني في أن أبدأ هذا المقال عن انهيار التعليم الجامعي انطلاقاً من تجربة ذاتية في الجامعة، على اعتبار أنني ما زلت في صفوف الطلبة كما أزعم ..

بعد العديد من المأزق الدراسية والنفسية وجدت نفسي لا أمتُّ لهيئة الطالب المعهودة بشيء، وكانت البداية حين حصلت على شهادة البكالوريا بعلامات متفوقة في أغلب المواد (الفرع الأدبي)، نشب الصراع الوجودي المعهود مع الأب بالمعنى النفسي المأزوم كذلك، حيث كانت رغبتي أن أدخل فرع علم الاجتماع ذلك أني كنت مفتونة في تلك المرحلة بآراء ابن خلدون التقدمية منها، والدراسات عن المجتمعات العربية الحديثة التي كنت أقرؤها بين الفينة والأخرى ، لكن والدي الذي كان أول من آمن بموهبتي في الكتابة، وأول من جهد إلى نسف كل ما آمنت به للأسف، ذهب في الصباح الباكر إلى كوة المفاضلة ليدون رغبتي الأولى (قسم الصحافة)، ولم يفدني بشيء الاحتجاج ولا التذمر ولا البكاء أيضاً…

ومازلت أذكر اليوم الجامعي الأول حين أوصلني بسيارته، وهو يتلو محاضرتي الأولى، قبل حتى أن أصل إلى باب الكلية، حول الفرصة الذهبية التي تسنت لي كي أبني شخصيتي، وأنمي ثقافتي الخاصة، والميول الفكرية والسياسية التي ستصنع مني فرداً فاعلاً في عملية التقدم الحضاري والاجتماعي. ولم أكن وقتها سوى الفتاة الصغيرة التي ارتدت قميصاً فضفاضاً وخفة رياضية مع شعر معقوص للوراء وحاجبين كثين، الفتاة التي جلست على درج باب قسم الصحافة وهي تبكي لأنها لا تعلم على أي حائط وضع برنامج المحاضرات الجامعية.. والحائط هو ما ضربت بعرضه لاحقاً كل الكتب الجامعية والمحاضرات التي تلقيتها في هذا المكان …

لا شك أن والدي ينتمي إلى جيل سابق عمل على إعلاء دور المثقف في المجتمع، وعلاقته بطبقاته، وإخلاصه للمرحلة السياسية التي ينتمي إليها مولياً أهمية كبيرة إلى كلاسيكيات الفكر المادي، وتنظيرات رموزه، وكتابات قادة الأحزاب نظراً إلى قدرته على توضيح الرؤى الملتبسة، وبلورة الأفكار الغامضة، ورسم الخطط المتصلة بالقضايا المطروحة، ومساهمته أيضاً في تعزيز ما هو سائد، أو الدعوة إلى تغيير ما هو قائم، حيث كانت الحياة الجامعية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحركة الأحزاب السياسية. مازال هذا الشأن يثير اهتمام المفكرين العرب إلى الآن، حتى في هذه المرحلة الضبابية سياسياً ، بمعنى آخر؛ إن المثقف الجامعي في تلك الفترة لا يمتلك فقط الحلم بل والسعي إلى تغيير الواقع إلى الأفضل، وسعيه هذا لا ينحصر بالتحصيل المعرفي بل يتعداه إلى ممارسة الوعي السياسي والفكري على أرض الواقع.

لكن هذا الجيل يبدو مختلفاً، ليس من حيث المبادئ والقيم التي يؤمن بها وحسب، بل والفترة السياسية التي يختبرها أيضاً، ناهيك عن اكتساح العولمة الضاري للحرم الجامعي…

وعلى الرغم من وجود فقرة في الدستور الدائم (1973) تنص على أنه "لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية" إلا أن طالب العلم اليوم لا يهتم بذلك البتة وربما لم يسمع بهذا الحق! خاصةً أنه لم يصدر حتى الآن قانون للأحزاب ينظم عملها ويقنّن وجودها. وبغض النظر عن ذلك؛ فهو أولاً ليس بالمستوى الثقافي الذي يؤهله لأخذ دوره فيها، وهذا ما يقودنا إلى حديث أخر عن انهيار منظومة التعليم ما قبل الجامعي. وثانياً إن أغلب منظمات الشباب، التي تتبع لأحزاب مختلفة، تبدو غير فاعلة مع افتقارها للدعم المادي من قبل الحكومة، ومع احتكار الاتحاد الوطني لطلبة سورية لأي نشاط سياسي في الحياة الجامعية.

إن كلاً من هذه الأسباب هي ما يجعل من الطالب الجامعي المؤدلج والمثقف، والفاعل سياسياً، نكتة قديمة لا تضحك الشباب والصبايا في كلية الآداب، فطالب اليوم يهتم أكثر بالتخلص من عبء دراسة فارغة لا تمت للحياة العملية بصلة، والأمر الذي لا يخفى وجود نسبة لا بأس بها من الهاربين خارج أسوار الجامعة إلى جحيم أخر يدعى العمل في القطاع الخاص، ريثما التخرج بأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية مع وجود كوادر تدريس لا يعلم أحد على وجه الدقة كيف تم منح معظمهم فيها شهادات دكتوراه تأذن لهم بالانقضاض على ما تبقى من تلافيف فكرية لدى الطالب، وهنا لا داعي للقلق من عدم النجاح في المواد، مع وجود فساد إداري ورشوة مزدهرة بقوة بين دهاليز الأقسام..!!

وفي حين أن طلاب الأمس كانوا مهمومين بالقضايا الكبرى في مجتمعاتهم، ينشغل أغلب طلاب المرحلة الجامعية بأحدث الصرعات والجيل الثالث من الهاتف المحمول، مع انهيار شبه كامل في منظومة القيم الفكرية والسياسية…

عاشق الماضي الجامعي الجميل، الذي كان يقف مرتبكاً أمام زميلته ليعيرها كتاباً عن (المبادئ التنظيمية للحزب البروليتاري) لـ"لينين"، لا يشبه الطالب المتكئ على الحائط، يهدي زميلته(CD) أغاني صرعة غير شكل…

فإن أية جولة خارجية يقوم بها أحدهم للكلية (الآداب مثلاً)، كفيلة بكشف الخراب التعليمي وتدني مستوى التثقيف الحاصل، وقد يتناهى إلى مسامعك يا زائر كلية الآداب شذرات من أحاديث من نوع: كم تشبه هذه الزميلة (مريام فارس)؟! وكم هو(كول) ذاك الشاب ، وكم سيارة يملك أب فلان؟!!

لحظة.. ماذا لو وقفت مع الشلة ذاتها وطرحت عليهم سؤالاً: لماذا لا يحق للأم السورية منح الجنسية لأطفالها؟ … وهنا أتمنى أن لا تستغرب إذا ما اصفر وجه أحد الزملاء وأجاب: أنه لا يرغب في الحديث في السياسة؟؟!!!

أما في الداخل، أقصد في قاعة المحاضرات، تستطيع الحصول على غفوة منتصف النهار دون إزعاج، خاصةً أن المحاضرة التي يلقيها الدكتور لها مفعول حبوب النوم المركزة …

ثمة أستاذة جامعية كانت تعمد إلى ترسيبي في المادة التي تعطيها دون أي سبب، مرة من شدة يأسي كتبت لها مقاطع أغنية لفيروز (بكرة أنت وجاي) على ورقة الإجابة، فاجئتني بأنها منحتني أقل من علامة النجاح بدرجتين، مع بداية الفصل الدراسي عرفتني وهمست لي بعد انتهاء المحاضرة أني لو أكملت الأغنية كنت سأنجح….

http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%84.html

نص غير مكتمل لواقع مأزوم

لعلّ من أهم ما يميز(الرواية الجديدة)، أو رواية ما بعد الحداثة كما يسميها بعض النقاد، وبغض النظر عن أسباب هذا التصنيف أو ذاك، فلعل أهم ما يميز هذه الكتابة الجديدة أنها سرد ذاتي لأزمة ما. بمعنى أخر إن الأزمة، نفسية كانت أم وجودية، ميزة رئيسية في النص الجديد، على الرغم من أن الزمن الآن هو مأزوم بطبيعة الحال! إلا أن بعض الروائيين الجدد قد وجد في هذه العثرة بالذات ضماناً لاستمرارية نص عابث وفوضوي يدور في فراغ هائل تغيب عنه الدلالات القديمة، ولا يعترف بها أيضاً.

وفي الوقت ذاته يبدون وكأنهم يصنعون عتمةً وتشتت سرد واقعي حديث عن عمد ونية مسبقة قبل البدء في الكتابة، طالما أنه لايوجد سوى الفراغ…

والحديث عن الأدب المعبأ بالأيدلوجيات، أصبح جزءاً من ماضيه بعد تلاشي الأفكار الكبيرة تدريجياً والمقولات السياسية في الرواية، لذا كان كتاب سبعينيات القرن الماضي أوفر حظاً من جهة سهولة انتقاء الموضوع والحماسة الجاهزة لدى الجمهور.

لكن يمكنني القول إن أية رواية جديدة تنتمي إلى الزمن الحاضر، ولا تتأثر بأزمته، هي رواية غير أصيلة، بمعنى الانتماء، لأنها ببساطة لا تعبر عن الواقع المعاش، وقد لا يكترث بأمرها القارئ الحديث… ولكن في المقابل؛ أكثر أنواع الروايات التي تظهر عليها ملامح الأزموية، إن صح التعبير، وبقوة هي روايات السير الذاتية، الكثير من هذه النصوص تبدو مشغولة بهموم الذات وكأنها لا تملك الوقت للاهتمام بشيء أخر!!

وهذا وهم اخترعه الكاتب كذلك، فما الذي يجعل من البطل في الرواية يظهر وكأنه يعيش مكابداته القاسية وحيداً، بينما يستطيع أن يجعل منه بطلاً ليس عاجزاً على الإطلاق وقادراً على قهر جميع المصاعب؟!..

ربما الرغبة في جعله متفرجاً، أو صامتاً، وغير معني بشيء مما يحدث خارج باب بيته؟!… كموقف ساكن لعالم يمضي رغماً عنه.. فبعض الروايات التي تكون مهمومة بالذات لا تكون الذات موضوعاً رئيسياً لها، وكأنها غير مو جودة أصلاً، ثم ما الذي يؤكد للراوئي أن قصة حياته يتلهف إليها القارئ ولا يسأم من متابعة تفاصيل مغامراته الجنسية في البار على سبيل المثال، أو إنجازات إحداهن في حياتها المهنية كامرأة خارقة لغباوات المجتمع الذكوري الجاحد..!!

وفي كل الأحوال هي سيرة ذاتية غير مكتملة على الأغلب، تضاف إلى سير من قبلها لم تكتمل، في ظل علاقة غائمة مع العالم الخارجي يسودها عدم الثقة وعدم الاكتراث أيضاً.

التشتت، التسطيح.. النقصان.. وفقدان النهاية الحاسمة، ستبقى سمة السيرة الذاتية، طالما أنها مجال صخب نقدي وإعلامي، وتحافظ على أزمة عدم اكتمالها..

من مقلب أخر؛ إذا كانت النصوص الموسومة بالسيرة الذاتية تنطلق من تجارب ووقائع حياتية عايشها الكاتب الذي لا يأبه كثيراً برصد التحولات الكبرى في الجماعة البشرية، باعتبار أن الرواية فن صناعة أو رصد الأحداث في التاريخ كما كان شائعاً، مع سقوط السرديات الكلاسيكية (ما بعد البنيوية) ، وهو معني في المقام الأول بالحكي عن نفسه وأزمته الصعبة ضمن شكل أدبي أحياناً، فما هي مقومات العمل الروائي ضمن السرد الذاتي في السيرة الجديدة؟؟

ربما تكون الأزمة في الواقع هي الإيقاع السريع للحياة اليومية المهمشة، وتدفق التفاصيل المتناقضة، رتابة هذه اليوميات وغرائبيتها في آن واحد، بينما أزمة روايات السيرة الذاتية خطورة وقوعها في فخ عدم الترابط بين الحكايات والملل، وهذا ما جعل مهمة الكاتب أصعب؛ يتوجب عليه الإمساك بالنص والتحكم بالسيطرة على مساحات صغيرة من الأوراق - نتيجة تكثيف الحكاية- ودون أن تفقد الطابع الأدبي كذلك، إضافةً إلى أن معالمها لم تتضح بعد بالنسبة إلى القارئ، بوصفها سيرة لذات، تأبى الاكتمال كخطيئة.. في زمن مأزوم جداً.


http://www.alawan.org/%D9%86%D8%B5-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%83%D8%AA%D9%85%D9%84-%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9.html

السيرة الجنسية لصديقنا الشاب

م يعرف فرويد صديقنا الشاب، لكنّه كما أعتقد سيسعد بشدة حين يتأكد من نظريته الخالدة، ومن أن الإنسان لا يفكر سوى بما بين ساقيه، ولا شيء يشغل ذهنه أكثر من مؤخرة باهرة. ولا عجب في هذا لاسيما أنه، أي فرويد، كان متشائماً في رؤيته للحضارة، لأن تطورها حسب رأيه، يؤدي بالضرورة وبشكل متزايد إلى قمع الناس لغرائزهم الجنسية، وذلك لأن نمو الحضارة يعتمد بالضرورة على عملهم المتزايد، وبالتالي عليهم أن يتعلموا ضبط غرائزهم، وتأجيل أو إلغاء تلبيتها لفترات طويلة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية وشعور بالخواء والقنوط. وبذلك فإن الحضارة عند فرويد تؤدي لا محالة إلى الاغتراب والتعاسة. لقد أثبتت تقارير منظمة الصحة العالمية نبوءة فرويد، فهي تؤكد أن نسبة الأمراض النفسية، وخصوصاً الكآبة، قد بلغت الآن عشرة أمثال ما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، هذا على الرغم من التطور الكبير الذي حصل مؤخراً في مجال تشخيص وعلاج الأمراض النفسية.

سيسر فرويد كثيراً بعد أن يلقي نظرة متفحصة على ما آل إليه التقدم والتطور في المجتمعات الشرقية، وهنا، في العاصمة السورية دمشق، هاهو يجد ضالته أخيراً؛ فالشاب الذي جاء من الريف المحافظ في إحدى المناطق الداخلية للقطر ليكمل دراسته داخل المعهد العالي للفنون المسرحية (فعل الحضارة) يشكل نموذجاً مثالياً لنظريته في الكبت الجنسي، يستمر في التخبط بين جسده وثقافته بشكل مبالغ فيه هذه المرة، بالتزامن مع الظروف الاقتصادية الخانقة الأمر الذي يجعل (ماركس) يغوص في كرسيه وهو يلعن تركيبة البشر. وإذا كانت الأسس الثلاثة التي تركز عليها المدرسة التحليلية هي : الجنس - الطفولة - الكبت . فهي مفاتيح السيكولوجيا الفرويدية أيضاً، ولنبدأ بالطفولة، والتي هي مرحلة بدائية للكبت الجنسي:

لم يكن الشاب المسرحي الواعد سوى انعكاس لمنظومة كاملة من التخلف والجهل والعقد الغامضة، وصاحبنا فرويد يقول في هذا الشأن أنه في مرحلة الطفولة تشتد الهجمات الخيالية، والتي يراد بها إخفاء فاعليات العشق الذاتي، إذ تتضح لديه الجنسانية من وراء الهوامات أو (الفانتازم). الطفل الواعد في هذه الحالة كان يحلم أحلاماً سرية عن أنثى ترتدي جلابية أمه، وتشبه الممثلة الشهيرة (سهير رمزي)، تقوم باستدراجه ليلاً إلى غابات الزيتون، تفرك ظهره بالليفة، ثم تداعبه بشكل غامض بالنسبة إليه. وقد تم القبض عليه من قبل الأخ الأكبر يمارس العادة السرية على سطح البيت، ما سبب للشاب نوعاً من (الدفع) كما يدعوه فرويد. فهو، إلى جانب الأفعال الإرادية التي تعكس الأمنيات والرغبات، باتت تصيبه بعض الأفعال العارضة الخارجة عن إرادته كأن ينهي علاقاته العاطفية بشكل سريع إمعاناً في الكبت القهري ربما، أو استجابة لرغبة شديدة في التمسك بأي أنثى تمر في حياته.

المرحلة الثانية: الليبيدو، ويفسر باختصار بأنه الدافع الجنسي. فهو، أي الطفل الذي كبر وصار شاباً يدرس المسرح، إذ يأكل أو يشرب، و يلطش أفكار زملائه، يختزل قراءاته في كتابين أو ثلاث، ويعقد مواعيده الغرامية في الأماكن الأشد رخصاً في العاصمة، حتى في استعراضه الفكري أمام أي بنت على الطاولة يقع تحت سطوة الدافع الجنسي، فالجنس هو النشاط الذي يستهدف اللذة إذ يصبح الأداة التي تربط الشاب هنا بالعالم الخارجي. هكذا يطبق الشاب الذي دخل الآن الثلاثينيات من عمره مبدأين هامين لدى فرويد هما اللذة والواقع، فالإنسان يتجه بطبيعته نحو اللذة العاجلة لمباشرة الرغبة، لكنه يواجه بحقائق البيئة المحيطة به، ومن ذلك المتطلبات الاجتماعية كالزواج. يعتقد الشاب أخيراً أنه سيفلت من فخ الزواج، بذريعة الخدمة العسكرية، وإذا بالفتاة تبدي رغبة صادقة في الانتظار، فيعمد إلى التهرب، وإلى تجنب اللذة التي سببت له ألاماً أكبر منها أو يؤجل تحقيقها.

وفي محاولة مكشوفة للالتفاف على القفص الذهبيّ شوهد في الآونة الأخيرة يواعد فتاة جديدة، ولكي يجد لسلوكه تبريراً فكرياً عميقاً ابتدع نظريته الخاصة التي لم يسمع بها فرويد، فصديقنا الشاب توصل إلى أن كونه من منطقة داخلية يجعله بحاجة إلى فتيات من المدن الساحلية حصراً.


http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A,7279.html

افسحوا لنون النسوة الجامحة

من فضائل الكتابة، ربما، أنها تخلق أفقاً إضافياً للتفكير لدى الكاتب، وتمنحه آليات جديدة للبحث في كل مرة يكتب بها، كما تنمي حدسه النقدي تجاه الموضوعات الشائكة في العالم الخارجي، وللكتابة النسوية أثر واضح في هذه النقطة بالذات، وقد منحت الكتابة للنساء علاقات إنسانية على أساس فهمهن للخارج عبر الكتابة. أول ما يفرضه هذا الوعي على المرأة هو عدم قبول وضعيتها المتدنية، ويكسب تفكيرها القدرة على تمييز ما يجعلها تابعة ومقلدة، ويكشف لها ذلك التضليل الناعم الذي يساق إليها فيجعلها تجنح عن الفهم والتعقل ويسوقها في طريق حفرته الثقافة الذكورية السائدة منذ آلاف القرون بأن تكون خلف الرجل.. لعل هذا الكلام صار بائداً، رغم أن الفكرة ما تزال سائدة حتى في الألفية الثالثة، تردده الكاتبات في المؤتمرات التي تعقد للأدب النسائي مع أنهن يخرجن بتصريح واحد على الأغلب: أن لا وجود لتقسيم للأدب على أساس الجنس، وليس بالضرورة أن يكون الإبداع إما بشاربين أو كعب عالي! لكنهن سيشاركن حتماً في مؤتمر الأدب النسائي العام القادم…!!

وعندما تكتب المرأة فذلك يعنى أنها تكتب نفسها بعد أن تسقط كل الحائل من الأفكار والتصورات الموروثة التي تجعل المرأة عدوة لجسدها ولنفسها ولتستر وحدة كيانها، ولم يعد هناك ما يفصل بين الكاتبة والموضوع فتهدم المرأة عن خيالها وذاكرتها كل موروث العبودية. وها هي تنتشل القلم بخفة، وهو الذي كان يعتبر أداة ذكورية، بعدما ضجرت من الحكي تحت الأغطية الدافئة لأطفال لا يفهمون رغبتها، بينما كان الفرسان الأشاوس يتنقلون بين الحقول والصحاري القاحلة…………………..، ولشدة ما استهلك هذا في المحافل الثقافية التي رحبت بالأنثى المبدعة، صار(الكلايشيه) الرسمي لإغواء روائيات في صدمة الكتاب الأول! أو ما زلن قيدَ الاحتلام به..

نحتاج إلى التوقف الآن عند ما منحته الكتابة لنون النسوة، في الوقت الحاضر على الأقل، كما ربما علينا فحص التغيرات التي طرأت عليها.. هناك اتجاهان واضحان في الكتابة؛ إما جريئة إلى أقصى الحدود تتطرق إلى الأمور التي لم نعهد التقرب منها في المرأة، وهذا إيجابي بغض النظر عن الجنس إذ يعد الأمر لصالح التخلص من عوائق اجتماعية في الكشف المطلق. لقد كتبت إحداهن على سبيل المثال في روايتها أنها تستفيق صباحاً حين تمتلئ مثانتها بالبول، ويكاد يكون مزعجاً الخروج من السرير الدافئ نحو الحمام، لكن هذه الطريقة التي استعاضت بها ومنذ سنوات عن المنبه..!!

من فترة زمنية ليست بالبعيدة لم نكن سنقرأ مثل هذه الكلمات من مبدعات تقمصن أغلبهن إما شخصية (فرانسواز ساغان)، لكن النسخة الرديئة منها لعلها تلك التي تثمل وتهذي بغير المباح في كل مناسبة أدبية! أو شخصية أخرى وجدت لنفسها مهمات إضافية في توجيه (حيونة) الذكور نحو الطريق الصحيح، أو حماية المجتمع الشرقي من آفات الغرب القذرة وإعادة مجد زمن (الطهطاوي)، وهي ضد العولمة بالتأكيد..

هنا علينا التساؤل عن الكاتبة المتصالحة مع نفسها، والتي تملك نظرة مرنة لاستيعاب الكتابة قدراً من المستجدات سواء في العلاقة بينها وبين الرجل، أو في علاقتها مع مجتمع رعوي ـ حداثي بآن واحد.. ليس تحاملاً على الكاتبات ولكن من أجل كما قلت سابقاً فحص ما طرأ عليهن من باب الحرص على حرية حصلن عليها بشق الأنفس، مع أن بعض ما قرأت مؤخراً من إبداعات بنات جنسي يجعلني أفكر في زمن أوروبا الوسطى المظلمة، وقد كانت المرأة بذلك الوقت تعتبر مريضة إن كانت فصيحة كثيرة الكلام ويتوجب علاجها، وكانوا يضعون المرأة سليطة اللسان (أي التي تستخدم لسانها) في كرسي يقيدونها إليه ويقومون بغطسها في مياه النهر مرات متكررة، وذلك من أجل إطفاء النار الملتهبة في عضلات لسانها..!!، إذ ليس مطلوباً منها استعمال هذه الآلة المذكرة وقد ناب عنها الذكور في ذلك!

في المقابل يظهر على الساحة الأدبية جنس ثالث من الكاتبات الشابات تبدو عليهن مظاهر الغلمان أكثر، لا يتورعن عن مشاكسة المحظور والكتابة عن هزائمهن على كل المستويات، رغم أنهن لا يكتبن عن هزيمة الرجل الذي دعا إحداهن إلى وليمة كحولية بينما يفكر سراً برغبته بقراءة كتاب تراثي لخير الدين نعمان ابن أبي الثناء (الإصابة في منع النساء من الكتابة)…..

http://www.alawan.org/%D8%A3%D9%81%D8%B3%D8%AD%D9%88%D8%A7-%D9%84%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%88%D8%A9.html

نصوص كندة السوادي .. الأدب الجديد

نعتقد أحياناً أن الصورة تجمد اللحظة ضمن هذا الإطار الفوتوغرافي المعهود لمفهوم الصورة نفسه، الأمر الذي ربما يكون خطأ كبيراً، ليست لأنها لحظة زمنية تتبع ذاكرة عاطفية آنية متعسفة بشدة، بوصفها لا تندرج تحت بنود المنطق، بل لأن اللحظة ذاتها قد تبدو غير ثابتة، وفق مفهوم زمني وفردي شديد الخصوصية؛ من يثبت أن هذه الصورة هي أنت.. وأنت مدمن لأفيون عاطفتك بالتأكيد؟ السؤال: إلى أي مدى قد تفلح أنت بالتقاط تلابيب الحقيقة المجردة ضمن الموقف الإنساني الذي تعرضت له أثناء رؤيتك الصورة فيما بعد؟….. وهل ستكون صادقاً إزاء مشاعرك القديمة؟

الموقف نفسه تحت عملية تشريح مزمنة، في كل مرة يتعرض فيها للكشف أمام الذاكرة كذلك، لذلك حالة الفوتوغراف هنا اللحظة العاطفية مع التنوع الجسدي ـ الانفعالي في مواجهة عنف الكاميرا السادي والمباغت أيضاً من أجل غاية توثيقية للزمن، دون اتفاق مع الموقف نفسه. هذا بالرغم من أن ثمة لحظة واحدة يكاد يعرفها الجميع تفشل بإصرار في مجاراة الزمن ولعبة الفوتوغراف، وكأنها منفلتة على الدوام من التأطير، لتصبح سجينة الضوء هكذا بكل بساطة! يبدو لي الأمر محض استسهال في نثر فلاشات على عري حياة قد تكون سامة..!، تحت رعاية كاميرات الديجتال الفائقة التكنولوجيا.. لكن ماذا عن التوثيق الذاتي؟

هل بإمكانك الاعتماد عليه خاصةً أن مهارات الحفظ في تراخٍ مستمر ضمن ذاكرتك؟ فالصورة الفوتوغرافية تنتج أكثر من معنى ضمن إجراءات سبر متكرر للماضي، بمعنى أنها قد تحبل بتوأم التناقضات الانفعالية في كل مرة. لكن انتبه؛ ستعتمد على توثيق ذاتي خاص، تصف الحادثة دون مساعدة دلالات وأرقام مختصرة أسفل أو أعلى الصورة تلك التي نكتبها اغلب الأحيان تحت تأثير مخادع غالباً ما يقوم به الجميع.. أقصد شرح مفردات الفوتوغراف مباشرةً بعد الظهور الأول…، ربما من المهم التريث قليلاً في كتابة الوصف حتى لو كان على المستوى الشفهي. سأنجرف أكثر إذا ما اقترحت عليكم، على سبيل المجازفة بالطبع؛ "علم نفس الفوتوغراف" يبني قواعد رئيسية نحو تأصيل سلوكيات عامة تتناسب واللحظة النفسية نظراً لتأثيرات الفلاش المفاجئ..

هكذا تتفادى إرباكات قد تحصل معك في المستقبل، بما يخص إجلاء الحقيقة عن ميوعة العواطف البشرية أقصد. فالرجل الستيني، ولنفترض يتأمل صورة الآن عن رحلة جامعية مثلاً قام بها مع الأصدقاء، هكذا سيصفها بالرحلة الممتعة مرة، وقد يهمل تفاصيل أشد أهمية لم تظهر في إطار الصورة. لكن هل كانت الرحلة ممتعة بالنسبة له..؟ لأنه ربما، والاحتمال قائم، سيصف بعد فترة زمنية طويلة نسبياً الرحلة بأنها كانت عادية..، الأفكار التي راودته أثناء قيامه بوسم الصورة بالمتعة والفرح ستختلف ولن يتذكرها على وجه الدقة.

ما يحصل في الصورة الفوتوغرافية هو خداع عاطفي من الطراز الرفيع، نستسلم له بإرادتنا ولا يسمح لهذه الصورة بأن تكون بمثل هذه القوة من الإيحاء، ليس لوقت طويل. إنها تسقط أخيراً تحت حكم المنطق الحاسم.. وذلك حين يصمم الفرد على التجرد وأن يكون موضوعياً أمام الصورة الفوتوغرافية؛ هذا ما يفسر اختلاف أجوبة الرجل الستيني في المثال.. بمعنى آخر؛ إنه سينطق بالحقيقة المجردة ضمن حالة متوازنة عاطفياً.

في المقابل من هذا الذي يتحلى بمثل هكذا واقعية تجاه صورةٍ مع من كان حبيبه الغالي آنذاك فلتذهب الواقعية إلى الجحيم، أي سيف علم نفس هذا يجعل مني سفاحة لذاكرة رجل لا يمت لي بصلة لمجرد إثبات دقة الواقعة! فكرت في الأمر خلال تأملي صورةً مع عاشق سابق أحرك له مبتسمةً السكر في كوب الشاي خاصته، أو هذا ما خيل إلي طوال سنوات. اليوم بالذات تذكرت أنني كنت، أي في الصورة، أحرك السكر في شاي صديقه، لأنه وبكل بساطة لم يشرب الشاي مع السكر يوماً..!

على كل حال تم قنص الدهشة المحيرة هذه من وجهي مباشرةً، دون إرادة مني ولم يستشرني أحد بالطبع، لكن هل هذا ما يتوجب علي كتابته شفوياً أو خلف الصورة ؟! هذا الوجه المرتبك المبتسم لم يستشره الفلاش.. أم أكتفي بسرد مخاتل للحكاية في كل مرة تعرض الصورة على الناس… أنا التي ما زالت تتبع تلك الفصيلة من البشر تختنق حلماً وتتشدق به أمام المرآة، تتسكع بخجل في أرخبيل الذاكرة العاطفية كسائر كائنات ليلي الهلامية.. تتأزم بوهمها الشخصي، كما لو كان الواقع تماماً..، ولا يدرك عالم النفس هذا وقائع الأرق الوحشي خلال المنام، تستعيد أيقونة الضباب البارد كل مرة، وهي ليست أكثر من صورة فوتوغرافية تحكي حكايات كثيرة.